أحمد بن علي القلقشندي

468

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أجوبة يستحسنها الذهن السليم إذا تلقّيت بالإنصاف ، ولا بدّ من تقديم مقدّمة على ذلك : وهي أن تعلم أن الخطاب في المكاتبات ، والوصف في الولايات ، مبنيّ على التفخيم والتعظيم ، على ما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى ، ومن ثمّ أتي فيهما بالألقاب المؤدّية إلى الرّفعة كما تقدّمت الإشارة إليه في أوّل الكلام على الألقاب ، ثم أثبتوا هذه الألقاب بمعنى الأماكن كناية عن أصحابها من باب مجاز المجاورة وجعلوها رتبة بعد رتبة بحسب ما تقتضيه معانيها اللائحة منها على ما سيأتي بيانه ، فجعلوا أدناها رتبة الأمير والقاضي والشيخ ، التي وقع فيها التصريح بذكر الشخص ، وجعلوا فوق تلك المجلس لتجرّده عن الإضافة إلى ما هو في معنى القريب من التصريح ، وجعلوا فوق ذلك الجناب الذي هو الفناء من حيث إن فناء الرجل أوسع من مجلسه ضرورة ، بل ربما اشتمل على المجلس واستضافه إليه ، وجعلوا فوق ذلك المقرّ الذي هو موضع الاستقرار مع ما يقتضيه من شمول جميع المحلَّة أو البلد الذي هو مقيم فيه ، من حيث إنه يسوغ أن يقال مقرّه محلَّة كذا أو بلد كذا ، وتضمنت معنى القرار الذي هو ضد الزّوال على ما قال تعالى : * ( وإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ ) * ( 1 ) وجعلوا فوق ذلك المقام لاستعماله في المعنى العامّ ، الذي هو أعم من موضع القيام كما أشار إليه الزمخشريّ ، مع ما في معنى القيام من النّهضة والشّهامة الزائدة على معنى الاستقرار ، من حيث إن القعود دليل العجز والقصور . قال تعالى : * ( وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ ) * ( 2 ) وقال : * ( الَّذِينَ قالُوا لإِخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا ) * ( 3 ) فكان المقام باعتبار ذلك أعلى من المقرّ ويوضّح ما ذكرناه أنهم جعلوا المجلس أدنى المراتب والمقام أعلاها . أما تخصيصه خطاب الخليفة بالدّيوان فلبعد تعلَّقه مع كونه عنه تصدر المخاطبات وعليه ترد على ما سيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالى .

--> ( 1 ) أنظر سورة ( غافر ) ورقمها ( 40 ) آية رقم ( 39 ) ( 2 ) أنظر سورة ( التوبة ) ورقمها ( 9 ) آية رقم ( 86 ) ( 3 ) أنظر سورة ( آل عمران ) ورقمها ( 3 ) آية رقم ( 168 )